وهبة الزحيلي

199

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ونلهمها الهداية إلى الإيمان والعمل الصالح لفعلنا ، كما قال تعالى في آية أخرى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [ يونس 10 / 99 ] . ولكن حكمتنا قضت ترك أمر الإيمان والعمل الصالح للاستعدادات والخيار ، دون الإكراه والاضطرار ، كما قال سبحانه : وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ أي ولكن ثبت قضائي ، وسبق أنه لا بد من ملء جهنم من صنفي الجن والإنس الذين هم أهل لها بحسب استعدادهم وسوء اختيارهم ، وفحش اعتقادهم وعملهم ، فهم الظالمون أنفسهم ، وقد علم اللّه مسبقا قبل خلقهم أن مآلهم إلى النار ، فحقّ الوعيد ، وحق الجزاء . لذا استحقوا أيضا التوبيخ ، فقال تعالى : فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ، إِنَّا نَسِيناكُمْ ، وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ : ذوقوا هذا العذاب بسبب تكذيبكم بيوم القيامة ، واستبعادكم وقوعه ، وتناسيكم له ، وعملكم عمل الناسي له ، لذا فإنا سنعاملكم معاملة الناسي ؛ لأنه تعالى لا ينسى شيئا ، ولا يضل عنه شيء ، وهذا ما يسمى بأسلوب المقابلة أو المشاكلة ، مثل قوله : وَقِيلَ : الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا [ الجاثية 45 / 34 ] وقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى 42 / 40 ] . ويقال لهم أيضا على سبيل التأكيد : وذوقوا عذاب النار الدائم الذي تخلدون فيه بسبب كفركم وتكذيبكم وسوء أعمالكم ، كما قال تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً ، جَزاءً وِفاقاً ، إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً ، وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً ، فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [ النبأ 78 / 24 - 30 ] .